اسماعيل بن محمد القونوي
295
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ما دمتم أحياء مكلفين ) أبدا « 1 » منصوب بأن تعودوا بملاحظة الكراهة ومآله لا تعودوا إلى آخر أعماركم وقال الراغب في سورة البقرة هو عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأء كما يتجزأ الزمان وذلك أنه يقال زمان كذا ولا يقال ابدات كذا وكان من حقه على هذا أن لا يثنى ولا يجمع وقد قالوا آباد فجمعوه لاختلاف أنواعه واللام في مثله بمعنى إلى لأنه بمعنى الرجوع وهو يتعدى بإلى وفي المغني والثامن موافقة إلى نحو : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [ فاطر : 13 ] وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] . قوله : ( فإن الإيمان يمنع عنه وفيه تهييج وتقريع ) فإن الإيمان أي باللّه واليوم الآخر كلمة الشك في مثله ليس للشك في إيمانهم بل للتهييج والتحريك إلى امتثال ما ذكر ولهذا قال وفيه تهييج أي ترغيب في عدم العود وتقريع أي توبيخ على العود أو على الفعل والقول المخصوص ابتداء ونظيره قولك إن كنت معلما لك فلم لا توقرني وإن كنت أباك فلم لا تحسن إلي وفي الكشاف وتذكير بما يوجب ترك العود وهو اتصافهم بالإيمان الصاد عن كل مقبح لأن قوله الإيمان يمنع عنه يتضمنه فجعلهما واحدا اختصارا كما هو عادته . قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 18 ] وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 ) قوله : ( الدالة على الشرائع ومحاسن الأداب ) أي المراد الآيات النقلية منها الحدود المقدرة والمراد بالآداب آداب معاملة المسلمين بحسن الظن ما لم يعلن السوء وستر العيوب وكتمان ما في القلوب والمحبة لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه ونحو ذلك والكل مدلول الآيات البينات الواضحة الدلالات ومن جملة ذلك تعظيم حرم رسول اللّه عليه قوله : وفيه تهييج وتقريع يريد أن قوله عز من قائل : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ النور : 17 ] تتميم لقوله : يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ [ النور : 17 ] إما للتحريض على الاتعاظ تعليلا وإما للزجر تهييجا أي تحريكا للحمية وتوبيخا ومنشأ التهييج إيراد كلمة الشك وإن كانوا آمنوا بألسنتهم أقول التهييج لا يناسب المقام لأن المخاطبين هنا منافقو الكفرة وهم لا يتهيجون بالتهيج وهو إنما يناسب في حق المؤمنين الخلص والمنافقون من الكفرة لا حمية لهم ولا رغبة في أمر الدين الحق قطعا حتى يهيج حميتهم ورغبتهم فيه فإن قلت الخطاب في لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا إلى هنا للمؤمنين الخلص قلنا يأبى ذلك ما قبله وما بعده وقوله ما لنا أن نتكلم بهذا وقوله : أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ [ النور : 17 ] ولو كان كذلك لقيل ما لكم أن تتكلموا وأن تفعلوا مثله . قوله : الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب المراد بالشرائع الحدود المذكورة في الآيات السابقة وبمحاسن الآداب ما وقع في حيز لولا التحضيضية من تعليم المؤمنين إذ سمعوا ما يعاب عليهم في حق إخوانهم المؤمنين ما يليق بهم أن يقولوا .
--> ( 1 ) وفي التلويح في بيان محل النسخ وحقيقة التأييد هو الدوام واستمرار جميع الأزمنة وإرادة البعض مجاز لا مساغ له بدون القرينة .